السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

207

مختصر الميزان في تفسير القرآن

يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ( البقرة / 232 ) ، وهو شائع في اللسان . وظاهر قوله : « ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا » اعتبار الإيمان بعد الإيمان ، وليس إلا الإيمان التفصيلي بكل حكم حكم مما جاء به الرسول من عند ربه من غير رد وامتناع ، ولازمه التسليم للرسول فيما يأمر به وينهى عنه قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ ( الحديد / 28 ) ، وقال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ - إلى أن قال - فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( النساء / 65 ) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة . وظاهر قوله : « ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا » إضافة الإحسان إلى الإيمان بعد الإيمان اعتبار ، والإحسان هو إتيان العمل على وجه حسنه من غير نية فاسدة كما قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ( الكهف / 30 ) ، وقال الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ( آل عمران / 172 ) ، اي يكون استجابتهم ابتغاء لوجه اللّه وتسليما لأمره لا لغرض آخر ، ومن الإحسان ما يتعدى إلى الغير ، وهو ان يوصل إلى الغير ما يستحسنه ، قال تعالى : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ( البقرة / 83 ) ، وقال وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ( القصص / 77 ) . والمناسب لمورد الآية هو المعنى الأول من معنيي الإحسان ، وهو إتيان الفعل على جهة حسنه فإن التقوى الديني لا يوفى حقه بمجرد الإيمان باللّه وتصديق حقية دينه ما لم يؤمن تفصيلا بكل واحد واحد من الأحكام المشرعة في الدين فإن رد الواحد منها رد لأصل الدين ، ولا أن الإيمان التفصيلي بكل واحد واحد يوفى به حق التقوى ما لم يحسن بالعمل بها وفي العمل بها بأن يجري على ما يقتضيه الحكم من فعل أو ترك ، ويكون هذا الجري ناشئا من الانقياد والاتباع لا عن نية نفاقية فمن الواجب على المتزود بزاد التقوى أن يؤمن باللّه ويعمل